الأثنين 7 محرم 1448هـ - 22 يونيو، 2026

فود إكسبو 2026 هل تعود الصناعات الغذائية السورية إلى الواجهة الإقليمية؟

img

الأحد, 21 يونيو, 2026

الصناعات الغذائية السورية تقف أمام فرصة جديدة لاختبار قدرتها على العودة إلى الأسواق، مع انطلاق الدورة الحادية والعشرين من المعرض العربي الدولي للصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف «فود إكسبو 2026» في مدينة المعارض بدمشق. ويُشارك في المعرض أكثر من 300 شركة من سوريا ودول عربية وأجنبية، منها تركيا والإمارات والمملكة العربية السعودية والأردن وقطر ولبنان وماليزيا والصين والهند وأوكرانيا.

 

هذا الحضور يمنح المعرض أهمية تتجاوز العرض التجاري؛ لأنه يضع قطاع الأغذية السوري أمام شبكة أوسع من المشترين والمورّدين والمستثمرين، في مرحلة يحتاج فيها الاقتصاد إلى قطاعات قادرة على التشغيل والتصدير وتوليد القيمة المضافة.

 

لماذا يُمثّل المعرض فرصة للصناعة السورية؟

يُمثّل «فود إكسبو» منصةً عمليةً لعودة الشركات السورية إلى التواصل المباشر مع الأسواق. فالمعارض المتخصّصة لا تقتصر على عرض المنتجات، بل تفتح المجال لعَقْد صفقات، وتوقيع وكالات، والتعرف إلى متطلبات المستوردين، ومقارنة الجودة والأسعار والتغليف مع المنتجات الإقليمية والدولية.

 

وجود شركات من دول عربية وأجنبية يرفع مستوى المنافسة، لكنه يمنح المنتج السوري فرصة لفهم اتجاهات السوق. فالمستهلك في المنطقة لم يَعُد يبحث عن السعر فقط، بل عن الجودة، وسلامة الغذاء، وجاذبية العبوة، واستقرار التوريد. لذلك يمكن للمعرض أن يكون اختبارًا لقدرة الشركات المحلية على تطوير منتجاتها وفق معايير أكثر قربًا من الأسواق الخارجية.

 

كما أن دعوة رجال أعمال من دول عربية وإقليمية تمنح المعرض بُعدًا تصديريًّا. فإذا تمكَّنت الشركات السورية من تحويل المشاركة إلى عقود توزيع وشراكات تجارية، فإن الأثر لن يبقى محصورًا بأيام المعرض الخمسة، بل سيمتدّ إلى تشغيل خطوط إنتاج جديدة وزيادة الطلب على الموادّ الأوّلية والعمالة والخدمات اللوجستية.

 

كيف تدعم الصناعات الغذائية القيمة المضافة؟

القيمة الحقيقية للصناعات الغذائية تظهر عندما تتحوّل المنتجات الزراعية إلى سلع مُصنّعة قابلة للتخزين والنقل والتصدير. فالقمح يمكن أن يتحوّل إلى معكرونة ومخبوزات، والحليب إلى أجبان وألبان معبّأة، والفواكه إلى عصائر ومربيات ومعلبات، والزيتون إلى زيت ومواد غذائية ذات علامة تجارية.

 

هذا التحوّل يرفع قيمة المنتج مقارنةً ببيعه كمادة خام، ويمنح المزارع والمصنع والتاجر حصة أكبر من الدخل. كما يُقلّل الهَدْر في المحاصيل القابلة للتّلف، خاصةً عند توفُّر معامل تصنيع وتبريد وتعبئة قريبة من مناطق الإنتاج.

 

سوريا تملك قاعدة واسعة في المنتجات الغذائية التقليدية، مثل الحلويات، والزيوت، والمعلبات، والألبان، والأجبان، والمنتجات القائمة على الحبوب، والقهوة والأعشاب. لكن إعادة هذه المنتجات إلى الواجهة الإقليمية تحتاج إلى تحديث في الجودة والتغليف والمعايير الصحية، حتى تصبح قادرة على المنافسة في أسواق تتغيّر بسرعة.

 

ما دَوْر التعبئة والتغليف؟

التعبئة والتغليف لم تَعُد مرحلة ثانوية في الصناعة الغذائية. العبوة أصبحت جزءًا من قيمة المنتج؛ لأنها تحمي الجودة، وتُطِيل مدة الصلاحية، وتمنح السِّلعة صورة تجارية قابلة للتسويق في المتاجر والأسواق الخارجية. لذلك فإن مشاركة شركات متخصّصة في آلات التعبئة والتغليف وموادها تُمثّل جانبًا مهمًّا في المعرض.

 

تطوير التغليف يساعد الشركات السورية على دخول أسواق جديدة، خاصةً أن كثيرًا من المنتجات المحلية تمتلك جودةً جيدةً، لكنها تَفْقد جزءًا من قدرتها التنافسية بسبب ضعف التصميم أو التغليف أو عدم مطابقة العبوات لمتطلبات المستوردين. وكل تحسين في هذا الجانب يرفع فرص التصدير، ويُعزّز قدرة المنتج على المنافسة أمام السِّلع التركية أو الأردنية أو الخليجية أو الأوروبية.

 

كما أن تحديث خطوط التعبئة يُقلّل التكلفة والهَدْر، ويرفع سرعة الإنتاج، ويساعد الشركات على توحيد المواصفات. وهذه عناصر أساسية لأيّ شركة تريد الانتقال من البيع المحليّ المحدود إلى التوزيع الإقليمي المنتظم.

 

هل يستطيع القطاع استعادة حضوره الإقليمي؟

استعادة الحضور الإقليمي ممكنة، لكنها تحتاج إلى أكثر من معرض ناجح. الشركات السورية بحاجة إلى تمويل لتحديث خطوط الإنتاج، وطاقة مستقرّة، وموادّ أوّلية بأسعار يمكن توقُّعها، وشبكات نقل وتصدير أكثر انتظامًا. كما تحتاج إلى شهادات جودة وسلامة غذائية تساعدها على دخول الأسواق المنظّمة.

 

الفرصة موجودة؛ لأن المنتجات الغذائية السورية تمتلك قابلية للتسويق في المنطقة، سواءٌ بسبب القرب الجغرافي أو ارتباطها بالذوق الشرقي أو تنوّعها الزراعي. كما أن أسواق الخليج والعراق والأردن ولبنان يمكن أن تكون منافذ مهمة إذا توفَّرت القدرة على التوريد المنتظم والالتزام بالمواصفات.

 

كيف يتحوّل المعرض إلى أثر اقتصادي؟

الأثر الحقيقي للمعرض يظهر بعد انتهائه؛ عدد الزُّوار والعارضين مهمّ، لكنه لا يكفي وحده. المعيار الأهم هو حجم الصفقات، وعدد الشراكات، وفتح أسواق تصديرية جديدة، وتحديث خطوط الإنتاج، ودخول معدات وتقنيات جديدة إلى المصانع.

 

كما يمكن للمعرض أن يُسهم في ربط الشركات الصغيرة بالمورّدين والموزّعين؛ فكثير من الوِرَش والمعامل المتوسّطة تحتاج إلى فرصة للظهور أمام تُجّار الجملة وسلاسل التوزيع والمستوردين. وإذا توفّرت آليات متابعة بعد المعرض، يمكن تحويل اللقاءات إلى عقود فِعْلية.

 

دَوْر الدولة والجهات المُنظّمة مهم أيضًا في تسهيل الإجراءات، وتقديم معلومات عن التصدير، ومساعدة الشركات على معرفة متطلبات الأسواق الخارجية، وربطها بالمصارف وشركات النقل والتأمين. فالصناعة الغذائية لا تنمو بالمنتج وحده، بل بمنظومة كاملة من التمويل والمعايير واللوجستيات.

 

هل يُعيد «فود إكسبو» القطاع إلى الواجهة؟

يمكن لـ«فود إكسبو 2026» أن يكون خُطوة مهمة في إعادة الصناعات الغذائية السورية إلى الواجهة الإقليمية، إذا تحوّل من منصة عرض إلى منصة عقود وتحديث وشراكات. فالمعرض يجمع بين المنتجين المحليّين والمورّدين والمشترين الخارجيّين، ويمنح القطاع فرصةً لقياس موقعه الحقيقي في السوق.

 

عودة الصناعات الغذائية السورية لن تتحقَّق دفعة واحدة، لكنها قد تبدأ من قطاعات تمتلك قاعدة إنتاجية وزراعية واضحة، مثل الألبان والأجبان والزيوت والحلوى والمعلبات والحبوب والعصائر. ومع تحسُّن التغليف، وتطوير الجودة، وتوسيع قنوات التصدير، يمكن لهذه الصناعات أن تصبح أحد محرّكات التعافي؛ لأنها تربط الزراعة بالتصنيع، وتخلق فرص عمل، وتُوفّر منتجات قابلة للتصدير.

 

المعرض لا يُقدّم الحلّ وحده، لكنه يفتح نافذة مهمة. والنجاح سيُقاس بقدرة الشركات السورية على تحويل هذه النافذة إلى حضور دائم في الأسواق، لا إلى مشاركة موسمية تنتهي بانتهاء أيام المعرض.

 

 




المنشورات ذات الصلة