الأربعاء 2 محرم 1448هـ - 17 يونيو، 2026

الغاز السوري هل تعود الاستثمارات إلى القطاع؟

img

الأربعاء, 17 يونيو, 2026

تقترب شركة «كونوكو فيليبس» الأمريكية من توقيع عقد مع الحكومة السورية لتطوير حقول الغاز القائمة واستكشاف احتياطيات جديدة، بالشراكة مع «نوفاتيرا إنرجي» والشركة السورية للبترول. يستند العقد المرتقب إلى مذكّرة تفاهم وُقِّعت في نوفمبر 2025، استهدفت رفع الإنتاج بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يوميًّا خلال عام من بدء التنفيذ. ويأتي هذا التطوُّر في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة السوري عودة تدريجية لاهتمام الشركات الدولية. كما يتزامن مع دخول شركات أخرى، بينها «توتال إنرجيز» و«قطر للطاقة»، في مراجعات فنية لمناطق بحرية سورية؛ ما يعكس تحولًا من مرحلة الاستكشاف الأوّلي للفرص إلى مرحلة دراسة المشاريع القابلة للتنفيذ والاستثمار.

يُمثّل الغاز اليوم أحد أكثر القطاعات أهمية بالنسبة للاقتصاد السوري، ليس فقط باعتباره مصدرًا للطاقة، بل لأنه يرتبط مباشرةً بملف الكهرباء الذي يُعدّ من أكبر التحديات التي تواجه النشاط الاقتصادي والخدمي. فمعظم محطات التوليد السورية صُمِّمت للعمل على الغاز الطبيعي، وأيّ زيادة في الإمدادات تنعكس مباشرةً على قدرتها التشغيلية. لذلك فإن أيّ استثمار جديد في الحقول الغازية لا يمكن النظر إليه كمشروع طاقة منفصل، بل كجزء من عملية أوسع تستهدف إعادة تنشيط الاقتصاد وتحسين الخدمات الأساسية.

كيف ينعكس الاتفاق على الكهرباء والإنتاج؟

تطوير الحقول القائمة يُعدّ الخيار الأسرع لتحقيق نتائج ملموسة، فبدل انتظار سنوات طويلة لاكتشاف حقول جديدة وتطويرها، يمكن إعادة تأهيل الآبار والمنشآت الموجودة ورفع كفاءتها الإنتاجية خلال فترة أقصر نسبيًّا. هذا النوع من المشاريع يسمح بإضافة كميات جديدة إلى الشبكة الوطنية خلال وقت محدود، وهو ما تحتاج إليه سوريا في المرحلة الحالية التي تتطلّب حلولًا سريعة لأزمة الطاقة.

زيادة إنتاج الغاز تعني أولًا توفير وقود إضافي لمحطات الكهرباء. ومع ارتفاع ساعات التشغيل، تتحسّن التغذية الكهربائية للمنازل والمنشآت الصناعية والتجارية. هذه النقطة تبدو بسيطة ظاهريًّا، لكنها تحمل تأثيرات اقتصادية واسعة. المصانع التي تعتمد اليوم على المولدات الخاصة أو مصادر الطاقة البديلة مرتفعة التكلفة يمكن أن تُخفّض جزءًا من نفقاتها التشغيلية إذا حصلت على كهرباء أكثر استقرارًا. كما أنّ الوِرَش الصغيرة والمتوسطة ستتمكّن من زيادة ساعات العمل والإنتاج؛ ما ينعكس على مستويات التشغيل والدخل.

في القطاع الزراعي أيضًا، تعتمد العديد من الأنشطة على الكهرباء التي تؤدي دورًا أساسيًّا في تشغيل الآبار وأنظمة الريّ والتخزين والتبريد. وبالتالي فإن أيّ تحسُّن في إمدادات الطاقة يُسهم في خفض تكاليف الإنتاج الزراعي وتقليل الفاقد وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات المحلية. أمّا قطاع الخدمات، من مستشفيات ومدارس ومؤسسات عامة وخاصة، فيستفيد من استقرار الكهرباء عبر تقليل الاعتماد على الحلول المؤقتة المُكلفة.

لكن الأثر لا يتوقّف عند حدود الكهرباء؛ فزيادة إنتاج الغاز المحلي تُقلّل الحاجة إلى استيراد الوقود أو الحصول عليه عبر ترتيبات خارجية مكلفة. وهذا يعني تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وتحسين قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو أولويات أخرى مثل صيانة الشبكات وتطوير البِنْية التحتية. كما أن استقرار إمدادات الطاقة يمنح المستثمرين المحليين والأجانب رؤية أوضح حول تكاليف التشغيل المستقبلية، وهو عامل مهم عند اتخاذ قرارات الاستثمار.

لماذا تُمثّل عودة الشركات العالمية مؤشرًا مهمًّا؟

أهمية الاتفاق المحتمل لا ترتبط فقط بالكميات التي يمكن إنتاجها، بل أيضًا بطبيعة الشركات المشاركة فيه. فالشركات العالمية الكبرى لا تَجْلب التمويل فقط، بل تدخل معها خبرات تقنية متقدِّمة في مجالات الاستكشاف والحفر وإدارة المكامن وتشغيل المنشآت. هذه الخبرات تصبح ذات قيمة خاصة في قطاع تعرَّض خلال سنوات طويلة لنقص الاستثمارات والتحديث.

وجود شركة بحجم «كونوكو فيليبس» يمكن أن يُسهم في إدخال تقنيات أكثر تطورًا لرفع كفاءة الحقول الحالية وتقليل الفاقد وتحسين معدلات الاستخراج. كما أن المشاريع الكبرى تحتاج عادةً إلى شبكة واسعة من المقاولين والمورّدين وشركات الخدمات الهندسية واللوجستية؛ ما يخلق نشاطًا اقتصاديًّا يتجاوز حدود الحقول نفسها.

هذا النوع من الاستثمارات يفتح أيضًا المجال أمام تدريب الكوادر المحلية ونقل المعرفة الفنية والإدارية. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى رفع مستوى الخبرات الوطنية في قطاع الطاقة، وهو عنصر مهم لاستدامة الإنتاج مستقبلًا. كما أن نجاح مشروع واحد قد يُشجّع شركات أخرى على دراسة فرص إضافية في مجالات النفط والغاز والطاقة المتجدّدة والبِنْية التحتية.

من زاوية أخرى، فإن دخول شركات دولية إلى السوق السورية يحمل رسالة تتجاوز القطاع النفطي نفسه. فالمستثمرون عادةً يراقبون قرارات الشركات الكبرى باعتبارها مؤشرًا على مستوى المخاطر وإمكانية تنفيذ المشاريع. لذلك فإن نجاح العقود الأولى قد يُسهم في تحسين صورة البيئة الاستثمارية السورية وجذب رؤوس الأموال إلى قطاعات أخرى مرتبطة بالنقل والصناعة والخدمات.

ما التحديات التي قد تواجه المشروع؟

رغم أهمية الاتفاق المحتمل، فإن تحقيق النتائج المرجوة يتطلّب معالجة مجموعة من التحديات؛ فزيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع تطوير شبكات النقل والمعالجة والتوزيع. الغاز المُستخرَج يحتاج إلى بِنْية تحتية قادرة على نقله إلى محطات الكهرباء والمُستهلِكين الصناعيين بكفاءة، وإلا فإن جزءًا من المكاسب المتوقَّعة قد يبقى محدود الأثر.

كما أن نجاح المشروع يعتمد على وضوح الإطار القانوني والتنظيمي للعقود، وآليات تَقاسُم العوائد والمخاطر، ومستوى الشفافية في إدارة الإيرادات. وتبقى قدرة الشركات على تنفيذ برامجها الاستثمارية وفق الجداول الزمنية المحدَّدة عاملًا أساسيًّا في تحديد سرعة ظهور النتائج.

متى تظهر النتائج الفعلية؟

إذا بدأت أعمال التأهيل فور توقيع العقد، فقد تظهر أُولى النتائج خلال فترة تتراوح بين عدة أشهر وعام، خاصةً في الحقول القائمة التي تمتلك بِنْية تشغيلية سابقة. أمّا مشاريع الاستكشاف الجديدة، سواءٌ البرية أو البحرية، فتحتاج عادةً إلى سنوات من الدراسات والحَفْر والتقييم قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري.

في النهاية، لن يُقاس نجاح الاتفاق بعدد العقود الموقَّعة أو حجم الاستثمارات المُعلَنة فقط، بل بكمية الغاز التي تصل فعليًّا إلى محطات الكهرباء والمصانع، وبمدى انعكاس ذلك على حياة السُّكان والنشاط الاقتصادي. وإذا تمكَّنت سوريا من تحويل عودة الشركات العالمية إلى زيادة حقيقية في الإنتاج وتحسُّن ملموس في الطاقة والخدمات، فقد يُشكّل ذلك بداية مرحلة جديدة لقطاع الغاز، ودعامة مهمة لعملية التعافي الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

#الغاز_السوري

#كونوكو_فيليبس

#الطاقة




المنشورات ذات الصلة