الخميس 3 محرم 1448هـ - 18 يونيو، 2026

الصناعة السورية هل تستطيع منافسة الاستيراد؟

img

الخميس, 18 يونيو, 2026

تدخل الصناعة السورية مرحلة اختبار جديدة مع اتساع الانفتاح التجاري وتحديث قواعد الاستيراد والجمارك. ففي 18 مايو 2026، صدر المرسوم رقم 110 لاعتماد جدول التعريفة الجمركية المتناسقة، بالتوازي مع توجُّه حكومي نحو تسهيل حركة التجارة وتبسيط الإجراءات. هذه التحولات تمنح المستهلك خيارات أوسع وأسعارًا قد تكون أقل، وتضع المصانع المحلية في مواجهة مباشرة مع منتجات أجنبية تأتي من اقتصادات تملك طاقة مستقرة وتمويلًا متاحًا وخطوط إنتاج حديثة. النتيجة المتوقَّعة ستختلف بين قطاعٍ وآخر؛ بعض الصناعات قد تستفيد من انخفاض تكلفة المواد الأولية والآلات، فيما تُواجه صناعات أخرى ضغطًا قويًّا من السلع الجاهزة المستوردة.

كيف يُغيّر تحرير التجارة شروط المنافسة؟

تحرير التجارة يُخفّض الحواجز التي كانت تُؤخّر دخول السلع أو تَرفع تكلفتها، فتزداد الكميات المعروضة داخل السوق وتتحسَّن خيارات المستهلك. هذا المسار يساعد على تخفيف أسعار بعض المنتجات، خصوصًا عندما تكون تكلفة الاستيراد أقل من تكلفة التصنيع المحلي. كما يَحُدّ من الاحتكار ويجبر المنتجين على تحسين الجودة والتعبئة وخدمة ما بعد البيع، وهي مكاسب مُهمَّة لسوقٍ عانى سنوات من محدودية الخيارات وضعف المنافسة.

الصناعة السورية تدخل هذه المرحلة من موقع أكثر صعوبة. المُصنِّع المحلي يتحمَّل تكلفة كهرباء مرتفعة وانقطاعات تؤثر في ساعات التشغيل، ويضطر أحيانًا إلى استخدام مُولّدات أو مصادر بديلة تزيد سعر المُنْتَج. ويُواجه الصناعي صعوبة في الحصول على تمويل يسمح بشراء الآلات أو تكوين مخزون من المواد الأولية، بينما تؤدي تقلُّبات سعر الصرف إلى تغيُّر مستمر في تكلفة الإنتاج والتسعير.

المُنتَج المستورد يأتي غالبًا من مصانع تعمل على نطاق واسع، ما يُخفِّض تكلفة القطعة الواحدة. كما تستفيد الشركات الأجنبية من تمويل مصرفي أرخص، وشبكات نقل مستقرة، وتقنيات إنتاج أكثر تطورًا. وعندما تدخل هذه السلعة برسوم منخفضة، يصبح الفارق السعري كبيرًا أمام مُصنِّع سوري ينتج بكميات محدودة ويتحمَّل نفقات تشغيل مرتفعة.

يظهر الخطر بصورة أكبر في الصناعات الخفيفة التي يسهل استيراد بدائلها، مثل الملابس والأحذية والأدوات المنزلية وبعض المنتجات الغذائية. تراجع مبيعات هذه القطاعات يؤدي إلى خفض الإنتاج، ثم تقليص العمالة وتأجيل الاستثمار. ومع استمرار الضغط قد يتحوَّل رأس المال من الصناعة إلى التجارة؛ حيث تبدو عملية استيراد السلعة وبيعها أسرع عائدًا وأقل مخاطرةً من تشغيل مصنع.

هل تستفيد المصانع من الانفتاح التجاري؟

تحرير التجارة يحمل فرصة مهمة عندما يشمل تخفيض الرسوم على الآلات والمواد الأولية والمكونات التي تحتاجها الصناعة. المصنع الذي يستطيع استيراد خط إنتاج حديث أو مادة أولية بسعر أقل يرفع إنتاجيته ويحسّن جودة السلعة، ما يساعده على خَفْض السعر ومنافسة المستورد. هنا يصبح الانفتاح وسيلة لتحديث الصناعة بدل تحوُّله إلى قناة لدخول المنتجات النهائية فقط.

يمكن للصناعات الغذائية والنسيجية والدوائية والهندسية أن تستفيد من هذا المسار وفق طبيعة احتياجاتها. الصناعات الغذائية تملك قاعدة زراعية محلية وقربًا من المستهلك، ما يُخفّض تكلفة النقل ويمنحها قدرة على الاستجابة السريعة للطلب. قطاع النسيج يستند إلى خبرة إنتاجية وعمالة ماهرة، لكنه يحتاج إلى استعادة سلسلة القطن والغزل وتحديث الآلات. أما الصناعات الهندسية فتتطلب تمويلًا وتقنيات ومكوّنات مستوردة، ويمنحها انخفاض رسوم هذه المدخلات فرصة للتوسع في إنتاج بدائل محلية.

اتساع التجارة يفتح أيضًا أسواقًا جديدة أمام المنتجات السورية. المصنع الذي يرفع الجودة ويلتزم بالمواصفات يستطيع استخدام قنوات النقل والمصارف الجديدة للوصول إلى الأردن والخليج وتركيا وأوروبا. زيادة الصادرات تمنح المنشأة سوقًا أكبر من الطلب المحلي، وتوفّر القطع الأجنبي اللازم لاستيراد المعدات والمواد، وتساعد على تشغيل خطوط الإنتاج بطاقة أعلى.

ما أثر المنافسة في المستهلك والاقتصاد؟

المستهلك يستفيد في البداية من زيادة المعروض وتنوّع الأسعار. دخول منتجات أرخص يُخفّف جزءًا من الضغط المعيشي، خاصةً في السلع اليومية. استمرار هذه الفائدة يرتبط ببقاء عدد كافٍ من المنتجين المحليين داخل السوق. خروج المصانع يرفع الاعتماد على الخارج، ويجعل الأسعار أكثر حساسية لسعر الصرف وتكلفة الشحن والاضطرابات الإقليمية.

توسُّع الاستيراد يرفع الطلب على العملات الأجنبية، بينما تُعيد الصناعة المحلية توزيع قيمة السلعة داخل الاقتصاد عبر الأجور والنقل والتوريد والضرائب. كل مصنع يتوقّف يعني فقدان جزء من هذه الدورة، وتراجع فرص العمل، وانخفاض قدرة السوق على إنتاج بدائل عند تعطل الواردات. لذلك تحتاج السياسة التجارية إلى النظر في السعر الحالي للسلعة وقدرة الاقتصاد على الحفاظ على قاعدة إنتاجية للمستقبل.

كيف يمكن بناء منافسة متوازنة؟

حماية الصناعة تتحقّق عبر تخفيض تكلفة الإنتاج، وإعفاء المواد الأولية والآلات غير المتوفرة محليًّا، وتوفير تمويل صناعي، وتحسين الكهرباء والنقل. ويمكن استخدام رسوم مدروسة على السلع الجاهزة التي تنتجها المصانع السورية بكميات كافية، مع تطبيق مواصفات جودة مُوحَّدة على المحلي والمستورد.

يتحدّد صمود الصناعة السورية بسرعة تحديث المصانع وقدرة السياسة التجارية على التمييز بين استيراد يدعم الإنتاج واستيراد يستبدله. عندما تدخل الآلة والمادة الأولية بسهولة، ويحصل المُنتَج المحلّي على طاقة وتمويل وسوق تصدير، تتحوَّل المنافسة إلى حافز للتطوير. أما فتح السوق أمام السّلعة النهائية مع بقاء تكاليف المصنع مرتفعة، فيدفع الاقتصاد نحو التجارة والاستهلاك ويُضعف قدرته الإنتاجية تدريجيًّا.




المنشورات ذات الصلة