الأربعاء 9 محرم 1448هـ - 24 يونيو، 2026

أجفند في سوريا هل يفتح التمويل التنموي باب الاستثمار؟

img

الأربعاء, 24 يونيو, 2026

دخول «برنامج الخليج العربي للتنمية» إلى سوريا يمثل إشارة جديدة إلى عودة الاهتمام بمسارات التمويل التنموي والاستثمار الاجتماعي، في مرحلةٍ تحتاج فيها السوق السورية إلى رأس مال وخبرة وشراكات قادرة على دعم قطاعات أساسية مثل الطاقة والكهرباء والتعليم. تصريحات المدير التنفيذي للبرنامج همام بن جريد حول دعم المستثمرين الراغبين في دخول السوق السورية تعكس توجُّهاً يتجاوز التمويل المباشر، نحو توفير بيئة مساندة تساعد المستثمر على فَهْم احتياجات القطاعات المختلفة وتحديد فرص قابلة للتنفيذ.

أهمية هذا التوجُّه تأتي من طبيعة المرحلة السورية الحالية. فالاقتصاد يحتاج إلى استثمارات في البنية التحتية والخدمات والموارد البشرية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على تقليل المخاطر أمام المستثمرين، وتوجيه التمويل نحو مشاريع ذات أثر تنموي واضح. وفي هذا السياق، يمكن لـ«أجفند» أن يلعب دوراً وسيطاً بين رأس المال والاحتياجات الفعلية للسوق.

لماذا أجفند؟
يمتلك «أجفند» خبرة في تمويل المشاريع التنموية، ولا سيما تلك المرتبطة بالفقر والتعليم والصحة والشمول المالي وتمكين الفئات الأقل دخلاً. هذه الخلفية تمنحه ميزة مختلفة عن المستثمر التجاري التقليدي، لأنه لا ينظر إلى العائد المالي وحده، بل إلى الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمشروع.

إجمالي المحفظة الإقراضية للبرنامج، البالغ 1.5 مليار دولار، يعكس قدرة تمويلية وخبرة تراكمية في إدارة مشاريع تنموية في أسواق مختلفة. وإذا جرى توجيه جزء من هذه الخبرة نحو سوريا، فقد يساعد ذلك في بناء برامج تمويل أكثر ارتباطاً باحتياجات الناس والقطاعات الإنتاجية.

كما أن تركيز الإستراتيجية الجديدة للبرنامج على تطوير العنصر البشري ينسجم مع حاجات السوق السورية. فإعادة بناء الاقتصاد لا تعتمد فقط على الطرق والكهرباء والمنشآت، بل على العمالة المؤهَّلة، والتعليم، والتدريب، والمهارات التقنية، والقدرة على إدارة المشاريع الحديثة.

ما القطاعات الأهم؟
الطاقة والكهرباء في مقدّمة القطاعات القادرة على جَذْب التمويل التنموي. فاستقرار الكهرباء ينعكس مباشرة على الصناعة والتعليم والصحة والخدمات، ويُخفّض كلفة الإنتاج على الشركات. لذلك فإن أيّ دعم للمستثمرين في هذا القطاع يمكن أن يخلق أثراً واسعاً يتجاوز المشروع نفسه.

التعليم يمثل قطاعاً آخر بالغ الأهمية، خاصةً مع حديث البرنامج عن التطلُّع لإطلاق فرع للجامعة العربية المفتوحة في سوريا. هذه الخطوة، إذا تحوَّلت إلى مشروع فِعْلي، يمكن أن تساهم في توسيع فرص التعليم العالي والتدريب، وربط الشباب بسوق العمل، وتوفير برامج مَرِنة تناسب مرحلة التعافي.

الصحة والمياه والأمن الغذائي والشمول التقني تدخل أيضاً ضمن المحاور الجديدة للبرنامج خلال السنوات الخمس المقبلة. وهذه المجالات ترتبط مباشرةً بجودة الحياة وبقدرة المجتمعات المحلية على الاستقرار والإنتاج. فالمياه والصحة والغذاء ليست خدمات اجتماعية فقط، بل شروط أساسية لاستعادة النشاط الاقتصادي.

كيف يمكن لأجفند دعم المستثمرين؟
دعم المستثمرين لا يعني التمويل وحده. المستثمر الذي يرغب في دخول السوق السورية يحتاج إلى معلومات عن القطاعات، ووضوح في الاحتياجات، وشركاء محليين، ونماذج تمويل، وتقدير للمخاطر. وهنا يمكن لمؤسسة تنموية مثل «أجفند» أن تُسهم في إعداد المشاريع، وتحديد الأولويات، وربط رأس المال بالمجالات الأكثر احتياجاً.

كما يمكن للبرنامج أن يساعد في جذب استثمارات ذات أثر اجتماعي، أي المشاريع التي تُحقّق عائداً اقتصادياً مع تحسين الخدمات أو خَلْق فرص عمل أو رفع المهارات. هذا النوع من الاستثمار مُهِمّ لسوريا؛ لأنه يربط الربح بالتنمية، ويمنع تحوُّل التمويل إلى مشاريع محدودة الأثر.

إذا دخل «أجفند» في شراكات مع مؤسسات دولية أو صناديق تنموية أو مستثمرين خليجيين، فقد يساهم ذلك في تقليل المخاطر وتوسيع قاعدة التمويل. وجود مؤسسة تنموية موثوقة داخل المشروع يمنح المستثمرين ثقة أكبر، خاصةً في المراحل الأولى من العودة إلى السوق.

ما شروط النجاح؟
نجاح «أجفند» في سوريا يحتاج إلى وضوح في المشاريع والأولويات. التمويل التنموي يصبح أكثر فاعلية عندما يذهب إلى مشاريع محددة الأثر، مثل تحسين الكهرباء في منطقة صناعية، أو دعم التعليم التقني، أو تمويل مشروعات صغيرة مرتبطة بالأمن الغذائي، أو تحسين خدمات المياه والصحة في مناطق تحتاج إلى استقرار.

كما يحتاج إلى شراكات محلية قوية. المؤسسات العامة والقطاع الخاص والجمعيات والمصارف تستطيع أن تلعب دوراً في تنفيذ المشاريع ومتابعتها. وكلما كان التنفيذ قريباً من احتياجات المجتمع، زادت فرص نجاح التمويل وتحقيق أثر ملموس.

وتبقى الشفافية مهمة لجذب المستثمرين. فالمشاريع التنموية تحتاج إلى مؤشرات واضحة: عدد المستفيدين، فرص العمل، حجم التمويل، مدة التنفيذ، والعائد الاجتماعي والاقتصادي. هذه المؤشرات تجعل الاستثمار أكثر قابلية للقياس، وتساعد على توسيع التمويل لاحقاً.

هل يُمثّل فرصة جديدة للاستثمار والتنمية؟
دخول محفظة «أجفند» في سوريا يمكن أن يفتح باباً مهماً أمام نوع مختلف من الاستثمار، يقوم على الدمج بين التمويل والتنمية وبناء القدرات. فالسوق السورية لا تحتاج إلى رأس مال فقط، بل إلى رأس مال يعرف أين يتجه، وكيف يُحوّل المشاريع إلى خدمات وفرص عمل ومهارات.

إذا نجح البرنامج في دعم دخول المستثمرين، وإطلاق مشاريع في التعليم والطاقة والصحة والمياه والأمن الغذائي، فقد يتحوَّل دوره إلى منصة تمويل وتنمية تساعد على بناء الثقة بالسوق السورية. وعندها يصبح التمويل التنموي أحد المسارات العملية لدعم التعافي، وجذب استثمارات أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.




المنشورات ذات الصلة