كيف تستعيد المصارف السورية ثقة البنوك العالمية؟
تنفيذ أول اعتماد مستندي سوري منذ 14 عامًا عبر جيه بي مورغان – J.P. Morgan لتمويل صفقة مشتقات نفطية مع أرامكو السعودية، يُمثّل خطوة عملية في عودة سوريا إلى القنوات المصرفية الدولية، لكنه لا يعني استعادة العلاقات المصرفية بصورة كاملة؛ فالبنوك العالمية لا تبني قراراتها على رفع القيود وحده، بل على قدرتها على تقييم المخاطر، ومعرفة مصدر الأموال والأطراف المستفيدة، والتأكد من سلامة المعاملات.
المرحلة الأولى تبدأ من الوضع المالي للمصارف نفسها؛ فالبنك الأجنبي يريد معرفة جودة الأصول، وحجم القروض المتعثّرة، وكفاية رأس المال والسيولة. ولهذا يُشدّد صندوق النقد الدولي – IMF على تقييم الصحة المالية للمصارف وتعزيز الرقابة، بينما يستهدف مشروع البنك الدولي لتحديث القطاع المالي إجراء مراجعات مستقلة لجودة أصول المصارف العامة والخاصَّة.
أما العقبة الأكثر ارتباطًا بالعلاقات الخارجية، فهي الامتثال المالي؛ حيث إن سوريا ما زالت ضمن قائمة مجموعة العمل المالي FATF للدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة؛ ما يرفع مستوى التدقيق في المعاملات. لذلك يُشكّل تطوير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقواعد التعرف إلى العميل، وتتبُّع المستفيد الحقيقي، وفحص التحويلات، عناصر أساسية لخفض المخاطر التي تراها البنوك العالمية.
الثقة تحتاج أيضًا إلى بنية تقنية ومالية يمكن الاعتماد عليها، ويستهدف مشروع بقيمة 100 مليون دولار تحديث أنظمة المدفوعات والبنية التقنية للمصرف المركزي، وتعزيز الأمن السيبراني والرقابة والبنية الائتمانية. كما تحتاج المصارف إلى قوائم مالية مدقّقة وإفصاح منتظم عن رأس المال والسيولة والقروض المتعثّرة؛ لأن نقص المعلومات يرفع تلقائيًّا تكلفة المخاطر.
العلاقات المراسلة تُبنَى بعد ذلك تدريجيًّا، بدءًا من معاملات موثَّقة واعتمادات مستندية، ثم تحويلات وتمويل تجارة وحسابات أكثر نشاطًا. نجاح صفقة أرامكو مهم لأنه يُوفّر نموذجًا عمليًّا، لكن القيمة الأكبر ستكون في تكرار التجربة مع بنوك وشركات وقطاعات مختلفة.
اقتصاديًّا، يمكن لعودة القنوات المصرفية المباشرة أن تُخفّض تكلفة الاستيراد والتحويلات، وتُقلّل الاعتماد على الوسطاء، وتسهّل تمويل التجارة والاستثمار، وتدفع جزءًا أكبر من التحويلات الخارجية نحو القنوات الرسمية.
استعادة ثقة البنوك العالمية ليست نتيجة تلقائية لرفع العقوبات؛ فهي تبدأ من سلامة ميزانيات المصارف والامتثال والرقابة والتكنولوجيا والشفافية، ثم تُترجَم إلى سِجِل من المعاملات الناجحة؛ لأن رفع القيود يفتح الطريق، لكن قدرة المصارف السورية على العمل وَفْق المعايير الدولية هي التي تُحدّد مدى اتّساعه.
