السبت 12 محرم 1448هـ - 27 يونيو، 2026

  • الرئيسية
  • /
  • /
  • الدول النامية صدمة الطاقة تتحوَّل إلى ديون وتنمية مُؤجّلة

الدول النامية صدمة الطاقة تتحوَّل إلى ديون وتنمية مُؤجّلة

img

السبت, 27 يونيو, 2026

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يرى أن أزمة الطاقة الناتجة عن صراعات الشرق الأوسط لم تَعُد مجرد ارتفاع في أسعار النفط والغاز، بل تحوَّلت في الدول النامية إلى أزمة أوسع تشمل الديون والغذاء والتنمية، مع تحذير من أن آثارها ستستمر حتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام.

يعكس هذا التصريح رؤية أوسع لطبيعة الأزمة؛ إذ لا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على الأسواق العالمية، بل تمتد إلى الاقتصادات الهشَّة التي تعتمد على الاستيراد وتعاني محدودية الموارد. فارتفاع تكلفة الطاقة يضغط على الموازنات العامة، ويزيد الحاجة إلى الاقتراض، ما يُفاقم أزمة الديون. كما ينتقل الأثر سريعاً إلى أسعار الغذاء عبر تكاليف النقل والإنتاج، ما يُهدّد الأمن الغذائي ويزيد من معدلات الفقر. وبالتالي، فإن أيّ تهدئة سياسية قد تُخفّف الضغوط الفورية، لكنها لا تُعالج الآثار المتراكمة التي تحتاج إلى وقتٍ وسياسات داعمة للتعافي.

كيف تتحوَّل الطاقة إلى أزمة ديون؟

ترتفع فاتورة الطاقة أولاً في الدول التي تعتمد على استيراد النفط والوقود والغاز. ومع زيادة الأسعار، تحتاج الحكومات إلى عملات أجنبية أكبر لدَفْع وارداتها، بينما تتعرَّض العملات المحلية لضغوط إضافية. وفي الدول التي تعاني أصلاً من عجز مالي أو نقص في الاحتياطيات، تتحوَّل فاتورة الطاقة إلى ضغط مباشر على الميزانية والحسابات الخارجية.

تزداد المشكلة عندما تحاول الحكومات حماية المستهلكين عبر دعم الوقود والكهرباء. فالدعم يُخفّف أثر الصدمة على الأُسَر والشركات، لكنّه يرفع الإنفاق العام ويزيد الحاجة إلى الاقتراض. ومع ارتفاع خدمة الدين عالمياً، تجد الدول النامية نفسها أمام خيارين صعبين: إما تقليص الدعم وترك الأسعار تنتقل إلى المواطنين، أو زيادة الاقتراض وتحمُّل أعباء مالية أكبر في السنوات المقبلة.

لهذا تبدو أزمة الطاقة مختلفة في الدول النامية مقارنة بالاقتصادات المتقدّمة. فالدول الغنية تمتلك قدرة أكبر على امتصاص الصدمة عبر الدعم أو المخزون أو الأسواق المالية، بينما تُواجه الدول الفقيرة انتقالاً سريعاً للأزمة من الوقود إلى الدَّين والعُمْلة والتضخم.

لماذا تصل الصدمة إلى الغذاء؟

ترتبط الطاقة بالغذاء عبر أكثر من قناة. فارتفاع الوقود يزيد تكلفة النقل والشحن والتخزين، ويرفع أسعار تشغيل المعدات الزراعية. كما يؤثر الغاز والطاقة في إنتاج الأسمدة، ما يضغط على تكاليف الزراعة في الدول التي تعتمد على الاستيراد أو على مدخلات إنتاج مرتفعة السعر.

مع ضعف الدخل في الدول النامية، لا يحتاج الأمر إلى ارتفاع كبير في الأسعار كي يتراجع الاستهلاك الغذائي. فالأُسَر الفقيرة تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء والطاقة، وعندما ترتفع تكلفة الوقود والكهرباء والنقل، تتقلّص القدرة على شراء السلع الأساسية. لذلك، تتحوَّل صدمة النفط إلى تدهور في الأمن الغذائي، خصوصاً في الدول التي تعاني هشاشة سياسية أو جفافاً أو نزاعات داخلية.

تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن استمرار الأزمة وارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد، ليرتفع العدد الإجمالي إلى نحو 363 مليون شخص في 53 دولة. وهذا الرقم يُوضّح أن أثر الصراع لا يبقى داخل حدوده الجغرافية، بل ينتقل عبر أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد إلى مجتمعات بعيدة عن منطقة المواجهة.

ما الأثر على التنمية؟

عندما ترتفع تكلفة الطاقة والغذاء والدَّيْن معاً، تتراجع قدرة الحكومات على تمويل الصحة والتعليم والبنية التحتية والحماية الاجتماعية. فالأموال التي كان يمكن توجيهها إلى الاستثمار العام تُستخدَم بدلاً من ذلك لدعم الوقود، أو دفع فوائد الديون، أو تمويل واردات أساسية. وهكذا تتحوَّل الأزمة من صدمة مؤقتة إلى تعطيل لمسار التنمية.

وتتضرَّر أيضاً خطط تحول الطاقة. فالدول النامية تحتاج إلى استثمارات في الطاقة النظيفة والشبكات الكهربائية والتكيُّف المناخي، لكنها تُواجه في الوقت نفسه ضغوطاً مالية حادة. وإذا لم تحصل هذه الدول على تمويل مُيسَّر ودعم دولي، فقد تضطر إلى تأجيل مشاريع الطاقة النظيفة أو العودة إلى الوقود الأرخص والأكثر تلويثاً، ما يُعمّق المشكلة المناخية مستقبلاً.

ومن هنا جاء ربط غوتيريش بين أزمة الطاقة وأزمة المناخ. فالمصدر الأعمق للأزمتين هو الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، بينما يظل الحل طويل الأجل في تسريع الانتقال العادل إلى الطاقة النظيفة، مع ضمان ألا تتحمَّل الدول النامية وحدها تكلفة التحول.

هل يكفي اتفاق السلام لتخفيف الأزمة؟

قد يؤدي أيّ اتفاق سلام في الشرق الأوسط إلى تهدئة أسواق الطاقة وخفض علاوة المخاطر في الشحن والتأمين والأسعار. وقد يُخفّف ذلك الضغوط الفورية على الدول المستوردة للطاقة، خصوصاً إذا استقرت الملاحة وانخفضت أسعار الوقود. لكنّ الأثر المتراكم للأزمة سيبقى قائماً؛ لأن الديون ارتفعت، والأسعار انتقلت إلى الغذاء، والموازنات تحمَّلت أعباء إضافية.

في المحصلة، تكشف تصريحات غوتيريش أن أزمة الطاقة لم تَعُد ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد والتنمية. فهي اليوم قناة تنتقل عبرها الصراعات الجيوسياسية إلى موازنات الدول النامية وموائد الأُسَر الفقيرة وبرامج التنمية. لذلك، فإن وقف التصعيد يمنح الأسواق راحة ضرورية، لكنّه لا يعالج وحده الخسائر التي تراكمت في الديون والغذاء والاستثمار الاجتماعي.

تحذير غوتيريش

  • أزمة الطاقة تحوّلت إلى ديون وغذاء وتنمية
  • أيّ اتفاق سلام يخفّف الضغوط ولا يمحو آثارها

انعدام الأمن الغذائي

  • 318 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي
  • الرقم مرشّح للارتفاع؛ فقد يصل الإجمالي إلى 363 مليون شخص

الدول المتضررة

  • 53 دولة تُواجه ضغوطاً غذائية
  • الدول النامية الأكثر تعرُّضاً للصدمة

المسار المطلوب

  • تسريع الانتقال للطاقة النظيفة
  • تمويل التكيُّف والمرونة المناخية

#الدول_النامية

#أزمة_الطاقة

#الأمن_الغذائي

#الأمم_المتحدة




المنشورات ذات الصلة